شكيب أرسلان

55

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

الحر في الحجاز وما يقتضيه من كثرة المياه والحرّ في الحجاز نوعان : أحدهما الومد ، وهو الحرّ الشديد ، مع انقطاع الريح . والثاني : السّموم ، وهو الريح الحارة ، وهذه الريح إذا اتقاها الإنسان بمنشفة مبلولة بالماء ، أو بحصير مرشوش بالماء ، معلّق فوق باب أو نافذة انقلبت باردة . وبالجملة فأشدّ ما يعاني المرء من حرّ مكة هو فيما لو تعرّض للشمس في وسط النهار . أما المتعوّدون ، وأبناء مناطق خطّ الاستواء ، فلا كلام لنا فيهم ، فقد كنت أراهم في وقت الظهيرة ، يمشون ويتهادون في الشمس ، كما يمشي الواحد منا في ظلال جنة ، ولم يكن يصيبهم أدنى ضرر . ولم يكن يصاب بضربة الشّمس إلا من تعرّض لها من حجّاج الشّمال لا غير . من فوائد هذه الحرارة الشديدة في مكة في أيام الموسم أنّها تقتل بشدتها جميع الجراثيم المضرّة ، فلا تجد في الحجّ شيئا من الأوبئة السارية ، وقد مات في هذا الموسم من مئتي ألف حاج نحو ( 250 ) نسمة فقط ، كلّهم تقريبا ذهبوا بضربة الشّمس ، ولا أريد أن أجعل الفضل كلّه في قلة الأمراض لحمّارة القيظ ، بل الإدارة الصحية في الحجاز بفضل تدابير مديرها ، وهمّة الخمسة والعشرين طبيبا الذين يعاونونه - هي خير إدارة صحية عرفها الحجاز إلى اليوم ، ما عدا الأيام التي كان فيها المرحوم قاسم بك عز الدين في زمن الأمير عون الرفيق ، وأسس الترتيبات الصحية التي لا تزال نبراسا إلى هذه الساعة ، فالدكتور محمود حمدي يحذو حذو المرحوم الدكتور عز الدين ، وتجده هو وأطباؤه في أيام الموسم لا يعرفون لذّة الكرى من أجل سهرهم على صحة الحجاج .